محمد أبو زهرة

3475

زهرة التفاسير

وذكر من بعد أنه كان من توبته أن ينخلع عن كل ماله ، فقال : « أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك » فأمسك سهمه الذي أخذه في غزوة خيبر ، وانخلع عن باقي ماله « 1 » . وهنا نقف وقفة قصيرة نتحدث فيها بثلاثة أمور : أولها - لما ذا أهمل أمر الذين تخلفوا وقدموا معاذير جلّها كاذب ، وأقلها فيه صدق ، نقول : ترك أولئك لأن الكاذب منهم لا يرجى منه خير ، ولو عوقب ذلك العقاب ما أجدى معه ، وربما عاند فزاد ضلالا ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم لا يقدم على عمل يزيد الضلال ولا ينقصه ، وربما كان الترك أجدى ، واللّه يهدى من يشاء . أما هؤلاء الثلاثة فإنهم صدقوا ، والصدق بر وهو يهدى إلى البر ، وكان لا بد من أن يرحض عن نفوسهم ما علق من شائبة التخلف ، وذلك بالهجر الجميل ، الذي أحسوا فيه بمغبة عملهم ، وزاد نفوسهم صفاء . الأمر الثاني : أنهم صبروا أعنف الصبر وأقواه ، وهو الصبر على الحرمان من الأنس بالناس ، والالتقاء نفسيا بمن يحبونهم ، ويخالطونهم ، فإن الإنسان اجتماعي مدنى ، تعيش نفسه في وسط نفوس متجاوبة . الأمر الثالث - أن استنكار القبيح ، أو ما يظن فيه قبح يغسل النفس منه ، وإن المجتمعات الفاسدة هي التي لا يستنكر فيها فعل القبيح ، ولو تكاثر عدد الصالحين ، فالاستنكار مهذب الإثم ، واللّه سبحانه هو الحكيم العليم .

--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : المغازي - حديث كعب بن مالك ( 4418 ) ، ومسلم : التوبة - حديث توبة كعب بن مالك ( 2769 ) .